ابن تيمية

70

مجموعة الفتاوى

وَالثَّانِي : أَنَّ سَبَبَ الْكَرَاهَةِ كَوْنُهُ سُخِّنَ بِإِيقَادِ النَّجَاسَةِ ؛ وَاسْتِعْمَالُ النَّجَاسَةِ مَكْرُوهٌ عِنْدَهُمْ ؛ وَالْحَاصِلُ بِالْمَكْرُوهِ مَكْرُوهٌ . وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ . فَعَلَى هَذَا إنَّمَا الْكَرَاهَةُ إذَا كَانَ التَّسْخِينُ حَصَلَ بِالنَّجَاسَةِ . فَأَمَّا إذَا كَانَ غَالِبُ الْوَقُودِ طَاهِراً أَوْ شَكَّ فِيهِ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ . وَأَمَّا دُخَانُ النَّجَاسَةِ : فَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ أَنَّ الْعَيْنَ النَّجِسَةَ الْخَبِيثَةَ إذَا اسْتَحَالَتْ حَتَّى صَارَتْ طَيِّبَةً كَغَيْرِهَا مِن الأَعْيَانِ الطَّيِّبَةِ - مِثْلَ أَنْ يَصِيرَ مَا يَقَعُ فِي الْمَلَّاحَةِ مِنْ دَمٍ وَمَيْتَةٍ وَخِنْزِيرٍ مِلْحاً طَيِّباً كَغَيْرِهَا مِن المِلْحِ أَوْ يَصِيرُ الْوَقُودُ رَمَاداً وخرشفاً وقصرملا وَنَحْوَ ذَلِكَ - فَفِيهِ لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَطْهُرُ . كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ . وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ ؛ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَصْحَابِ أَحْمَد ؛ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ؛ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى : أَنَّهُ طَاهِرٌ ؛ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ؛ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد . وَمَذْهَبِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَغَيْرِهِمْ : أَنَّهَا تَطْهُرُ . وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَعْيَانَ لَمْ تَتَنَاوَلْهَا نُصُوصُ التَّحْرِيمِ لَا لَفْظاً وَلَا مَعْنًى ؛ فَلَيْسَتْ مُحَرَّمَةً وَلَا فِي مَعْنَى الْمُحَرَّمِ فَلَا وَجْهَ لِتَحْرِيمِهَا بَلْ تَتَنَاوَلُهَا نُصُوصُ الْحِلِّ ؛ فَإِنَّهَا مِن الطَّيِّبَاتِ . وَهِيَ أَيْضاً فِي مَعْنَى مَا اتَّفَقَ عَلَى حِلِّهِ